سيد محمد طنطاوي

125

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - سبحانه - : * ( واللَّه يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ ) * بيان لكمال علمه - تعالى - وتحذير من الوقوع فيما نهى عنه ، لأنه - تعالى - لا تخفى عليه خافية . أي : واللَّه - تعالى - وحده ، يعلم ما تسرونه من أقوال وأفعال ، وما تظهرونه منها ، وهو محص عليكم ذلك ، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر . ثم وصف - سبحانه - الأوثان التي يعبدها المشركون من دونه ، بثلاثة أوصاف . تجعلها بمعزل عن النفع ، فضلا عن استحقاقها للعبادة ، فقال - تعالى - * ( والَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وهُمْ يُخْلَقُونَ . أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ ، وما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) * . فوصفها - أولا - بالعجز التام ، فقال - تعالى - : * ( والَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً . . ) * . أي : وهذه الآلهة التي تعبدونها من دون اللَّه - تعالى - لا تخلق شيئا من المخلوقات مهما صغرت ، بل هم يخلقون بأيديكم ، فأنتم الذين تنحتون الأصنام . كما قال - سبحانه - حكاية عن إبراهيم - عليه السلام - الذي قال لقومه على سبيل التهكم بهم : قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ . واللَّه خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ « 1 » . وإذا كان الأمر كذلك فكيف تعبدون شيئا أنتم تصنعونه بأيديكم ، أو هو مفتقر إلى من يوجده ؟ ! وهذه الآية الكريمة أصرح في إثبات العجز للمعبودات الباطلة من سابقتها التي تقول : * ( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ . . ) * لأن الآية السابقة نفت عن المعبودات الباطلة أنها تخلق شيئا ، أما هذه الآية التي معنا فنفت عنهم ذلك ، وأثبتت أنهم مخلوقون لغيرهم وهو اللَّه - عز وجل - ، أو أن الناس يصنعونهم عن طريق النحت والتصوير ، فهم أعجز من عبدتهم ، وعليه فلا تكرار بين الآيتين . وأما الصفة الثانية لتلك الأصنام فهي قوله - تعالى - * ( أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ ) * . أي : هؤلاء المعبودون من دون اللَّه - تعالى - ، هم أموات لا أثر للحياة فيهم ، فهم لا يسمعون ، ولا يبصرون ، ولا يغنون عن عابديهم شيئا ، فقد دلت هذه الصفة على فقدانهم للحياة فقدانا تاما . وجملة « غير أحياء » جيء بها لتأكيد موتهم ، وللدلالة على عراقة وصفهم بالموت ، حيث

--> ( 1 ) سورة الصافات الآيتان 95 ، 96 .